أموالٌ أم أصول؟ كيف تعرِّف حكومات العالم العملات المشفرة

العملات المشفرة - ما هي؟ أموال؟ أم سلع؟ أم أوراق مالية؟ أم توكنات خدمة؟ أم شيء آخر؟ يبدو أن القليل من الحكومات الوطنية تتفق بشكلٍ ما حول هذه المسألة، وفي الوقت الحالي، على الأقل، أعطت فرقها مثل هذه العملات مثل بيتكوين وإيثريوم وضعًا عائمًا وغير محدد على المسرح العالمي.

ونتيجة لذلك، تفتقر العملات المشفرة إلى وجود واحد محدد، حيث تعاملها بعض الدول كأموال (مثل اليابان وألمانيا) بينما تعاملها دول أخرى (مثل المكسيك والدنمارك) كأصول مضاربة وغير منظمة، مما يجعلها المكافئ المالي لقطة شرودنغر. ومع ذلك، وكما تظهر هذه المراجعة لتصنيفات العملات المشفرة في جميع أنحاء العالم، فإن هذه العملات المشفرة هي كل هذه الأشياء وأكثر، وهذا هو السبب في أنها تستحق أن تصنف بموجب التشريعات المستقبلية وفقًا لصفاتها الفريدة الخاصة بها.

الولايات المتحدة: أوراقٌ مالية وسلع وممتلكات وأموال

كمؤشر على مدى صعوبة حصول الحكومات العالمية على إجماع عالمي حول وضع العملات المشفرة، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد سوى إجماع قليل في الوقت الحالي داخل الدول - ناهيك فيما بينها. ولا يتجلى ذلك في أي مكان أكثر من الولايات المتحدة، حيث كان لدى خمسة وكالات منفصلة تصنيفات منافسة خاصة بها للعملات المشفرة.

الأولى هي هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC)، والتي - حتى يونيو - عرّفت العملات المشفرة بشكل عام على أنها أوراق مالية، بمعنى أنها أصول يستثمر فيها شخص ما متوقعًا الحصول على عائد. ففي مارس، على سبيل المثال، أصدرت الهيئة بيانًا عامًا يشير إلى أنها ستنظم أي شيء يتم تداوله عبر البورصات كأوراق مالية.

"يوفر عدد من هذه المنصات آلية لتداول الأصول التي تفي بتعريف "الأوراق المالية" بموجب قوانين الأوراق المالية الفيدرالية. فإذا قامت أي منصة بعرض تداول أصول رقمية تعتبر أوراقًا مالية وتعمل كـ "بورصة" كما هو محدد بواسطة قوانين الأوراق المالية الفيدرالية، يجب على المنصة أن تسجّل لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات باعتبارها بورصة وطنية للأوراق المالية أو أن تكون معفاة من التسجيل."

وقد انخفض سعر بيتكوين بنسبة ١٠ في المئة بعد هذا الإعلان، ومع ذلك تختلف بيانات السلطات والوكالات الأمريكية الأخرى مع تأكيد هيئة الأوراق المالية والبورصات على أن العملات المشفرة هي أوراق مالية. لأنه في مارس أيضًا، حكم قاضٍ فيدرالي في نيويورك بأن لجنة تداول السلع والعقود الآجلة (CFTC) يمكنها تنظيم بيتكوين والعملات الأخرى كسلع، مما يضعها على نفس مستوى الذهب والنفط والقهوة.

وكما لو أن هذا الأمر لم يكن مربكًا بما فيه الكفاية، عرّفت دائرة الإيرادات الداخلية (IRS) العملات المشفرة كممتلكات خاضعة للضريبة منذ مارس ٢٠١٤، عندما أعلنت:

"لأغراض الضرائب الفيدرالية، يتم التعامل مع العملات الافتراضية على أنها ملكيات".

ولن يُلام من يفترض أن ثلاثة تعريفات منفصلة تعتبر كافية، ومع ذلك تُعامل وكالتان إضافيتان العملات المشفرة كأموال. حيث أعلن مكتب الولايات المتحدة لمراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، وهو مكتب وزارة الخزانة الأمريكية المسؤول عن فرض العقوبات الاقتصادية والتي يمكن أن تتضمن عقوبات ضد بعض العملات المشفرة (على سبيل المثال، بترو)، في إبريل أنه سيُعامل "العملات الافتراضية" بنفس الطريقة مثل العملات الورقية، مما يجعل أي شخص يتعامل مع عملة مشفرة خاضعة لعقوبة اقتصادية عرضة للملاحقة القضائية.

وبالمثل، أشرفت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية (FinCEN) على مراقبة الاستخدام غير القانوني للأموال، بما في ذلك غسل الأموال وتمويل الإرهاب. حيث قامت بتحديث لوائحها في مارس ٢٠١٣ لتغطية جميع "الأشخاص الذين يقومون بإنشاء أو الحصول على أو توزيع أو تبادل أو قبول أو نقل عملات افتراضية"، الأمر الذي يُلزم البورصات (المصنفة كـ "جهات إرسال أموال") بتطبيق قواعد اعرف عميلك (KYC) ومكافحة تدابير غسل الأموال (AMC). ومن خلال توسيع نطاق لوائحها، جلبت العملات المشفرة تحت مفهوم المال، على النقيض من الوكالات الحكومية الأخرى التي صنفتها على أنه سلع أو أوراق مالية أو ممتلكات.

وبالطبع، فإن مثل هذه التصنيفات لا تكون حصرية بشكل متبادل، إلا أنها تثير الارتباك والتعقيد بالنسبة للأفراد والشركات الذين يريدون أن يدركوا وضعهم القانوني مع العملات المشفرة. لحسن الحظ، هناك علامات متزايدة على أن بعض الوكالات المذكورة أعلاه بدأت تتلاقى في التعريفات المشتركة.

ففي يونيو، أوضحت هيئة الأوراق المالية والبورصات أخيرًا أنها لا تنظر إلى أي من "بيتكوين" أو "إيثيروم" - باعتبارهما أكبر عملتين من حيث القيمة السوقية - كأوراق مالية، وأنها سوف تركز بدلًا من ذلك على عمليات الطرح الأولي للعملات الرقمية. وجاءت هذه الخطوة بعد شهرٍ من إلقاء مفوض لجة تداول السلع الآجلة "روستين بهنام" خطابًا أكد فيه على التعاون المتزايد بين لجنته وهيئة الأوراق المالية والبورصات.

"تحدثت عن موقفي بشأن لجنة تداول السلع الآجلة والجهود التي تبذلها هيئة الأوراق المالية والبورصات لتنسيق القواعد. ونظرًا للعدد الكبير من المشاركين في السوق المسجلين بشكل متكرر والسياسة المتداخلة، هناك فرصة حقيقية للجنة تداول السلع الآجلة وهيئة الأوراق المالية والبورصات لمواءمة القواعد الزائدة وترك المشاركين في السوق والمنظمين في موقف أقوى".

وتعتبر مثل هذه الخطوات متواضعة ومبدئية، ولكن بالنظر إلى أن هيئة الأوراق المالية والبورصات لم تعد تعتبر مثل هذه العملات مثل بيتكوين وإيثريوم كأوراق مالية، فإنها على الأقل تضيق مجال ما هي العملات المشفرة في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإنها لا تزال غير قانونية، على الرغم من أن ذلك لم يمنع الآلاف من الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها من قبول عملة بيتكوين والعملات الأخرى كوسيلة للدفع.

كندا والمكسيك وأمريكا الجنوبية: سلع، أصول افتراضية، عملات قانونية

على غرار الولايات المتحدة، لا تعتبر كندا العملات المشفرة بمثابة عملة قانونية. ومع ذلك، فإن نهجها تجاه العملات الافتراضية أكثر توحيدًا بشكل طفيف، حيث تقوم وكالة الإيرادات الكندية (CRA) حاليًا بتعريفها كسلع، وهو تعريف يبدو أنه ينطبق بشكل عام على معظم الوكالات الحكومية. وهذا هو السبب في أن عمليات الشراء التي تتضمن العملات المشفرة يتم تنظيمها من قبل وكالة الإيرادات الكندية كما لو كانت معاملات مقايضة، مع تطبيق الضرائب ذات الصلة. ومع ذلك، فإن قانونًا برلمانيًا تم تمريره في يونيو ٢٠١٤ عرّف أيضًا العملات المشفرة كـ "شركات خدمات مالية" لأغراض تحديث قوانين مكافحة غسيل الأموال، بينما أعلن مسؤولو الأوراق المالية الكنديون (CSA) في أغسطس ٢٠١٧ أن "العديد من" عمليات الطرح الأولي للعملات الرقمية "تنطوي على مبيعات أوراق مالية".

وفي المكسيك، ينصب التركيز أيضًا على العملات المشفرة كسلع. وفي ١ مارس، أقرت الحكومة قانون تنظيم شركات التكنولوجيا المالية، والذي يتضمن قسمًا عن "الأصول الافتراضية" - المعروفة باسم العملات المشفرة. ومقارنةً بالتعريفات السابقة للأوراق المالية والسلع والممتلكات والأموال، فإن هذا مصطلح يُعترف بأنه غامض، كما أن أحكام قانون مارس لا تضيق نطاق تطبيقه في الوقت الحالي (بما أن القانون، في الواقع، في انتظار التشريع الثانوي). ومع ذلك، تشير الملاحظات السابقة الصادرة عن شخصيات بارزة في المكسيك إلى أن الحكومة سوف تميل إلى ترجمتها إلى 'سلعة'، وذلك مع حاكم بنك المكسيك "أوغستين كارستنز" الذي نص في أغسطس ٢٠١٧ أنه، نظرًا لأن بيتكوين غير خاضعة للتنظيم من بنك مركزي، فإنها تعتبر سلعة وليست عملة.

وبالانتقال إلى الجنوب، فإن الصورة مختلطة. ففي فنزويلا، أعلنت الحكومة بشكل مثير للجدل عن بترو المدعومة من النفط في ديسمبر، وفي أبريل، أصدرت مرسومًا ينص على وجوب أن تصبح العملة المشفرة عملةً قانونية لجميع المعاملات المالية التي تشمل الوزارات الحكومية. ومع ذلك، فبينما تم تصنيف كل العملات المشفرة الأخرى على الفور على أنها أصول مالية وأوراقًا مالية نتيجةً للمرسوم الذي أنشأ بترو، لم يتم الإعلان عن أيٍ منها كعملة قانونية. والأمر الأكثر إرباكًا هو أن البرلمان الفنزويلي عارض بترو في كل فرصة. ففي مارس، أعلن البرلمان أن العملة المدعومة من الدولة غير قانونية في الواقع، لأنها تم إنشاؤها بدون موافقة الكونغرس ودون تدخل البنك المركزي الفنزويلي.

وفي حين أن التصنيفات من نوع أو آخر تنطبق بشكلٍ عام في الدول الأمريكية المذكورة أعلاه، إلا أن العملات المشفرة تعاني من عدم وجود جزئي في دولٍ أخرى. ففي البرازيل، أعلنت هيئة الأوراق المالية والبورصات (CVM) في يناير أنه لا يمكن تصنيف العملات المشفرة قانونيًا على أنها أصول مالية، على الرغم من حقيقة أن مكتب الإيرادات البرازيلي كان قد سبق له في عام ٢٠١٧ أن نظر إليها على هذا النحو للأغراض الضريبية. وفي تشيلي، لا تمثل العملات المشفرة الأوراق المالية أو المال، على الرغم من أن البنك المركزي قد بدأ مؤخرًا النظر في لوائح تنظيمية معينة.

وفي كولومبيا، أعلنت هيئة الرقابة المالية أيضًا أن العملات الرقمية لا تُحتسب كعملة أو أوراق مالية، بينما يمكن اعتبارها، لأغراض ضريبية، "استثمارًا عالي المخاطر". وهذا يجعلها أكثر قبولًا من الإكوادور، حيث لا تعتبر العملات المشفرة عملة قانونية، وهي أيضًا محظورة كوسيلة للدفع.

وبينما تتخذ أمريكا الجنوبية موقفًا مقيِّدًا تجاه العملات المشفرة، فإن بعض الدول داخل القارة أكثر قبولًا بقليل. ففي الأرجنتين، لا تمثل العملات المشفرة عملة قانونية وليس لديها أي لائحة تطبق على وجه التحديد لها. ومع ذلك، يتم التعامل معها على أنها بضائع بموجب أحكام القانون المدني للأمة، في حين أن تحديث لائحة الضرائب في ديسمبر يصنفها كإيرادات مستمدة من الأسهم والأوراق المالية.

وما تشير إليه هذه الاختلافات هو أنه عندما يتعلق الأمر بتصنيف العملات المشفرة، فإن الأوضاع الاقتصادية والسياسية للدول المعنية تحدث فرقًا. فالتجرد المتأصل في العملات المشفرة يجعلها قابلة للتكيف من حيث وظيفتها، لذا فإن تصنيفها واستخدامها الخاصين يعتمدان جميعًا على الظروف السياسية والاقتصادية السائدة في دولة معينة، وما الذي تريد تلك الأمة استخدامها له. ولهذا السبب، ففي البلدان التي تكون فيها العملة والاقتصاد الوطنيان ضعيفان نسبيًا - أو عندما تكون الحريات مقيدة - تميل العملات المشفرة إلى تُحرم من الوضع القانوني.

أوروبا: أموالٌ خاصة، وحدات حساب، وسائل تبادل تعاقدية، قيمة قابلة للتحويل

هذا الميل يصبح أكثر وضوحًا عندما تتم مقارنة وضع العملات المشفرة في أمريكا اللاتينية مع اي أوروبا. ففي ألمانيا، أكبر اقتصاد في القارة، تم الاعتراف ببيتكوين بأنها "أموال خاصة" منذ أبريل ٢٠١٤. وقبل ذلك، اعترفت وزارة المالية أيضًا بالعملات المشفرة كـ "وحدة حساب" في أغسطس ٢٠١٣، مما يجعلها أداة مالية خاضعة للضرائب، مطالبةً الشركات التي تتاجر بها بالتسجيل لدى هيئة الإشراف المالي الفيدرالية. وفي فبراير الماضي، اتخذت الحكومة خطوة إضافية في الاعتراف بالعملات المشفرة كأموال فعلية، مع إعفاء مالكي العملات المشفرة من الضريبة عندما يستخدمون عملاتهم كوسيلة للدفع - حسبما قضت محكمة العدل الأوروبية في عام ٢٠١٥.

وفي المملكة المتحدة، تركت العملات المشفرة دون عوائق بشكل عام، وما هو مثير للاهتمام هو أن الحكومة قد أدركت أن مقارنتها بالعملات أو السلع أو الأوراق المالية أو أي أداة مالية أخرى لا تعتبر دقيقة. ففي عام ٢٠١٤، كتبت هيئة الإيرادات والجمارك التابعة لحكومة صاحبة الجلالة:

"تتميز العملات المشفرة بهوية فريدة وبالتالي لا يمكن مقارنتها مباشرةً بأي شكل آخر من أشكال النشاط الاستثماري أو آليات الدفع."

وهذا من شأنه أن يفسر لماذا لا تزال الحكومة تقترح أو تشترط وضعًا محددًا للعملات المشفرة، حتى إذا كانت المملكة المتحدة جزءًا من مجموعة دول مجموعة العشرين التي عرّفت العملات المشفرة باعتبارها أصولًا وليست عملات في وثيقة مارس، وحتى إذا كان استثمار العملات المشفرة يخضع لضريبة أرباح رأس المال في بريطانيا - مما يجعلها استثمارًا.

وعبر القناة الإنجليزية، توقفت فرنسا أيضًا عن تطبيق أي لوائح تنظيمية محددة على العملات المشفرة، على الرغم من أنها بذلت جهودًا متضافرة مع ألمانيا لاقتراح قوانين ذات نطاق دولي. ومع ذلك، في حين يبدو أنها تتحرك نحو إنشاء إطار تنظيمي موات، فإن بنك فرنسا - منذ عام ٢٠١٣ - احتفظ بموقفه بأن العملات المشفرة ليست عملات أو وسيلة للدفع. ومن ناحية أخرى، أجرت هيئة تنظيم الأسواق المالية (AMF) استشارة عامة في أواخر عام ٢٠١٧ أسفرت عن تحديد فئتين من العملات المشفرة: توكنات الخدمة وتوكنات الأوراق المالية. بالإضافة إلى ذلك، يخضع متداولي العملات المشفرة - سواء على الصعيد الخاص والتجاري - للضريبة على مكاسبهم، مع تعريف الحكومة لبيتكوين في عام ٢٠١٦ على أنها "وحدة حساب" لأغراض جمع مثل هذه الضريبة.

وفي أماكن أخرى في الاتحاد الأوروبي، تختلف الصورة اختلافًا كبيرًا، رغم أنه يبدو أن هناك اتفاقًا متكررًا على أن العملات المشفرة ليست نقودًا، إلا عندما ترغب السلطات في إدخالها ضمن نطاق تشريع مكافحة غسل الأموال. ففي السويد، صرح البنك المركزي في مارس بأن "[بيتكوين] ليست أموالًا". وهذا يتناقض مع الحكم الأولي الصادر في أكتوبر ٢٠١٣ من مجلس الضرائب السويدي الذي أفاد بأن بيتكوين لا تخضع لضريبة المبيعات عند المتاجرة