وسط تصاعد الاهتمام العالمي بالعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزي (CBDC)، أعلنت مملكة البحرين أنها على أعتاب الانضمام إلى الثورة الرقمية العالمية، حيث بدأت الممكلة مؤخراً باستكشاف إمكانية طرح عملتها الرقمية الخاصة في الوقت الذي يُشارك فيه ما يقارب الـ 90 ٪ من البنوك المركزية في العالم في مشاريع ذات صلة.

الضجة العالمية حول العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية:

على الصعيد العالمي، لا يمكن إنكار الاهتمام المتزايد بالعملات الرقمية للبنوك المركزية، ففي وقتنا الحالي، تكتشف البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم إمكانية طرح عملة رقمية مركزية، ويشارك ما يقرب من 90 ٪ منها في مشاريع ذات صلة.

فقد تضاعف عدد البلدان التي تقوم بتطوير أو تجريب عملة رقمية للبنك المركزي خلال العامين الماضيين. واعتباراً من منتصف مارس 2023، ستكون عدة دول، مثل جزر البهاما وجامايكا ونيجيريا وثماني دول في شرق البحر الكاريبي، قد قطعت بالفعل خطواتٍ كبيرة نحو طرح عملتها الرقمية المركزية.

وعلى الرغم من أن النتيجة واحدة في معظم البلدان، إلا أن دوافع استكشاف هذا المفهوم الجديد تختلف من بلد إلى آخر، إذ تتراوح الدوافع في أغلب البلدان ما بين تعزيز الشمول المالي وتعزيز المنافسة في القطاع المصرفي وضمان وجود أنظمة دفع مرنة ومكافحة الاستخدام غير المشروع للأموال، إلى جانب تعزيز انتقال السياسة النقدية. أما بالنسبة للبلدان المتقدمة اقتصادياً مثل البحرين، فإن هذه الخطوات تُتخذ للتركيز على تعزيز المرونة والمنافسة في نظام الدفع الحالي مع الحفاظ على السيادة النقدية.


تشير الصورة أعلاه إلى الدوافع العالمية لطرح عملة رقمية (CBDC) وفقاً لنموذج "Gross and Letizia 2023" . المصدر

تطور التكنولوجيا المالية في البحرين:

اعتباراً من عام 2017، صُنفت البحرين على أنها رائدة إقليمية في قطاع التكنولوجيا المالية وفقاً  لما نصت عليه قاعدة بيانات التكنولوجيا المالية العالمية للبنك الدولي، إذ يستخدم ما يقارب الـ 80٪ من سكانها المدفوعات الرقمية. وقد عمل مصرف البحرين المركزي على تعزيز هذا الزخم المُستقبلي، مما خلق بيئة مشجعة للتكنولوجيا المالية، تميزت بابتكارات مثل نظام الدفع الفوري "فوري+".

الآثار المحتملة للعملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي في البحرين:

يدور أحد الجوانب المحورية في النقاش حول إمكانية طرح عملة رقمية مركزية (CBDC) حول تداعيات هذا النوع من العملات على النظام البيئي المالي. وقد أثار نموذج "Gross and Letizia 2023" المُخصص للبحرين، عدداً من الأسئلة الجوهرية، مثل: 

كيف سيغير اعتماد العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC) المشهد المالي؟

هل يمكن للعملات الرقمية للبنوك المركزية أن تحل محل الودائع المصرفية، مما قد يؤثر على احتياجات احتياطيات البنوك؟

كيف ستؤثر العملات الرقمية للبنوك المركزية على ربحية البنوك؟

ما هو الطلب المحتمل على العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC) مقارنة بإجمالي الأموال المتداولة؟

ما هي التغييرات التي يمكن أن تجلبها العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC) إلى فعالية السياسة النقدية؟

 تؤكد النتائج الأولية أهمية الوعي العام حيال هذا النوع من العملات، فعلى الرغم من الفوائد العديدة المُحتملة لطرح عملة رقمية صادرة عن البنك المركزي (CBDC)، إلا أنه سيشكل تحدياً لربحية القطاع المصرفي. ولذلك، يجب أن يركز التصميم الخاص بالعملة الرقمية على حماية الاستقرار المالي في المرتبة الأولى.

 وفي حين أن النموذج الموضوع للدراسة يُسلط الضوء على عددٍ كبير من التأثيرات المحتملة على الاقتصاد، إلا أنه لم يأخذ في عين الاعتبار بعض الخيارات المُتاحة أثناء تصميم عملة رقمية مركزية، مثل إخفاء الهوية وقابلية التشغيل دون اتصال بالإنترنت، وركز بدلاً من ذلك على الديناميكيات المالية.

خطوات طرح عملة رقمية (CBDC) بما يتماشى مع النقاط الأساسية في الاقتصاد البحريني . المصدر

المشهد المصرفي في البحرين وآثار العملة الرقمية للبنك المركزي:

مع ارتفاع نسبة الأصول المصرفية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 600 ٪، فإن النظام المالي في البحرين في حالة جيدة جداً، إذ تضم المملكة 75 بنكاً ضخماً، مما يُشكل مزيجاً من الكيانات التقليدية والإسلامية التي تعمل في قطاعيّ التجزئة والجملة.

وبالرغم من المخاوف التي أشار إليها البحث فيما يتعلق بالمنافسة كبيرة على الودائع المصرفية عقب طرح العملة المُحتملة، إلا أن "النظام المصرفي في البحرين مرن بما يكفي لمواجهة التحوّلات التي من الممكن أن تتسبب بها العملة الرقمية المركزية".

الحل يكمن في التوازن:

إن إدخال عملة رقمية (CBDC) إلى أسواق البحرين يتطلب خلق بيئة متوازنة بشكل كامل، فقد يؤدي التبني القليل للعملة المُحتملة إلى جعل العملية بأكملها غير مثمرة، بينما قد يستنزف التبني الواسع للعملة النظام المصرفي التقليدي.

من الناحية المثالية، يمكن لحصة العملة الرقمية المركزية أن تحقق التوازن المثالي مع النقد المادي إذا ما تم طرحها بالشكل الصحيح.

وسيكون التصميم هو نقطة الفصل، حيث يجب على التصميم أن يضمن توفير تجربة سلسة للمستخدمين مع الأخذ بعين الاعتبار تدابير الأمن والخصوصية، لضمان عدم نفور المجتمع من العملة المُحتملة، وبالتالي تبنيها بشكلٍ ضئيل.

كما يُمكن أن يساعد وضع حدود قصوى على حيازات أو تدفقات العملة الرقمية المركزية، إلى جانب برامج الولاء والمكافآت، في تحقيق التوازن المطلوب.

على الرغم من التفاؤل الحذر، من الضروري إجراء المزيد من الاختبارات على أرض الواقع، إذ يُمكن أن تختلف ردود الأفعال الحقيقية بشكلٍ كبير عن التوقعات النظرية. وإدراكاً لذلك، اقترحت البحرين بيئةً تجريبيةً للعملات الرقمية الصادرة عن البنك المركزي، والاستفادة من صندوق الحماية التنظيمي الخاص بها، إذ يُمكن أن تساعد مثل هذه البيئة في قياس ردود الأفعال في العالم الحقيقي، مما يضمن تحديد المخاطر ومعالجتها بحلول وقت الطرح الكامل للعملة.