تُشير أحدث الدراسات الصادرة عن معهد المحللين الماليين المعتمَدين وهيئة تنظيم الصناعة المالية الأميركية (FINRA) إلى دور العملات المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعي والتضخم في التأثير على السلوك الاستثماري لجيل ما بعد الألفية.

وأدت جائحة فيروس كورونا إلى تعزيز جهود التحوُّل الرقمي في العديد من المؤسسات المالية في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مما أثَّر على التوجُّهات المالية لجيل ما بعد الألفية، وهم الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً. وحظي جيل ما بعد الألفية بالعديد من محفزات الاستثمار التي لم تتوافر في المرحلة العمرية نفسها لأفراد جيل الألفية الذين ولدوا بين عامي 1981 و1996.

بالرغم من الارتفاعات الأخيرة في سعر الفائدة، فإنَّ عوائد التوفير دون المتوسطة خلال السنوات العشر الماضية دفعت جيلَ الألفية إلى إعادة النظر في استراتيجية التوفير التقليدية. كما يُبدي جيل ما بعد الألفية إقبالاً أكبر على خوض المخاطر مدفوعاً بروح الشباب التي يتمتع بها أفرادُه الذين يتشابهون مع أسلافهم في الاستفادة من العروض الائتمانية إلى حدٍّ ما، مما يمكنهم من التحكم بكمية الديون.

إلى جانب ذلك، يسعى جيل ما بعد الألفية في مختلف أنحاء المنطقة إلى تنويع مصادر الدخل بشكلٍ استباقي، كما يدير العديد منهم مصادر إيرادات متعددة. إذ تسلط هذه الاستراتيجية الضوء على منظورهم الفريد حول العمل والمسيرة المهنية، الأمر الذي يميزهم عن أسلافهم. وبوصفهم الجيل الرقمي الأول، فهم يُظهرون ثقة كبيرة بإمكاناتهم وطموحهم على نطاق واسع جداً، كما يتمتَّعون بجاهزية كبيرة لتحدي الوضع الراهن بما يشمل إدارتهم لشؤونهم المالية.

دفع الافتقار إلى الثقة في الخدمات المالية التقليدية والقائمة جيلَ ما بعد الألفية إلى الاستغناء عن المشورات المالية التقليدية، حيث أظهروا ميولاً للاعتماد على مؤثري التواصل الاجتماعي للحصول على المشورة المالية التي يبتغونها. إذ إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تؤدِّي دوراً كبيراً في استمرار بروز تطبيقات استثمارية جديدة وتوسِّعُ استخدامَ العملات المشفرة، مما يسهم في إعادة رسم ملامح مشهد الاستثمار.

إضافة إلى ذلك، يُبدي جيل ما بعد الألفية حماساً كبيراً لدخول السوق المالية بفضل ما يتمتع به من مهارات رقمية تفوق قدرات الأجيال التي سبقته. وتسهم مخاوف عدم مواكبة التطورات المالية في تحفيز الارتفاع غير المسبوق في مستويات الاستثمار، لا سيما في العملات المشفرة وغيرها من الأصول الرقمية.

كما أسهمت التحسينات القائمة على التكنولوجيا لتعزيز الوصول إلى السوق، وخصوصاً العملات المشفرة، في انتشار المنصات الإلكترونية التي توفر دخولاً سهلاً إلى الأسواق المالية. وأثبتت هذه المنصات جاذبيتها، وخصوصاً للمستثمرين من جيل ما بعد الألفية ممن يبحثون عن مصادر دخل جديدة أو توفير مبلغ من المال من أجل المستقبل أو زيادة عائدات التوفير الخاصة بهم.

يميل جيل ما بعد الألفية إلى اعتماد استراتيجية التنويع التقليدية في الاستثمار،  ساعين إلى مصادر دخل إضافية تتجاوز مجال عملهم الأساسي. إذ إنَّ تعزيز الدخل عبر أرباح الإيجار ومشاركة الأرباح والتداول الإلكتروني يمثِّل أمراً ليس بجديد على مستثمري جيل ما بعد الألفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بالرغم من تنامي الاستثمار الإلكتروني، يمثِّل عدم امتلاك المستثمرين الشباب للثقافة المالية الكافية مصدر قلق، حيث تبقى الشفافية التنظيمية عاملاً إلزامياً للشركات، في حين لا يخضع لها mo2asiri وسائل التواصل الاجتماعي، مما يثير المخاوف من أن المستثمرين الشباب قد يتعرضون لمخاطر هم بغنى عنها.

يفرض ظهور مؤثري التواصل الاجتماعي في المجال المالي تحديات تنظيمية محتملة لحماية المستثمرين من المشورات والمنتجات منخفضة المستوى. فيما تتنافس الجهات المنظمة في مختلف أنحاء العالم حول كيفية تحقيق توازن فعال بين تعزيز الوصول إلى الأسواق وتوفير مستويات حماية مناسبة للمستهلك.

ومن جانبها، كشفت هيئة الرقابة المالية في المملكة المتحدة (FCA) في وقت سابق من هذا الشهر عن خطط لفرض إجراءات أكثر صرامة بخصوص تسويق المنتجات المالية على منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى الضرر الكبير الذي يتعرَّض له المستهلك بوصفه دافعاً رئيساً لذلك.

في ضوء هذه التطورات، يتعيَّن على الجهات المنظمة إدراك أهمية وسائل التواصل الاجتماعي والتعاون مع مجتمع الاستثمار لفتح الباب أمام المستثمرين الشباب. إذ يعدُّ ضمانُ امتلاك هؤلاء المستثمرين للأدوات والمعلومات اللازمة التي تساعدهم على اتخاذ قرارات مدروسة أمراً حيوياً لضمان مستقبلهم المالي.

ومن ناحية أُخرى، تستفيد الجهات المنظمة ومؤثري التواصل الاجتماعي من الميول الواضحة للمستثمرين الشباب، حيث تتمتع تلك الجهات بقدرة كبيرة على مواكبة التحولات السريعة في مشهد الاستثمار بما يسهم في تحقيق مكاسب كبيرة، في حين قد يتأخر هذا الجيل عن اللحاق بالركب في حال عدم مواكبة احتياجاته وتطلعاته والمهارات الرقمية التي يتمتع بها.

أنطوان شحادة المديرُ الإقليميُّ الأول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات العربية المتحدة. يدافع شحادة عن أعلى معايير الممارسة والأخلاقيات في صناعة إدارة الاستثمار عبر تعزيز نزاهة الأسواق المالية والشفافية والتعليم المهني بين صانعي السياسات والمنظمين وقادة الصناعة الإقليميين. علماً بأنَّه حاصلٌ على درجة الماجستير في الاقتصاد المالي من الجامعة الأمريكية في بيروت.

كُتبت هذه المقالة لغرض تقديم المعلومات العامَّة، وليس المقصودُ أن تُؤخذَ على أنَّها مشورةٌ قانونية أو استثمارية، ولا ينبغي أن تكون كذلك. تعود الآراءُ والأفكارُ المُعبَّر عنها هنا للمؤلف وحده، ولا تعكس أو تمثِّل بالضرورة وجهات نظر وآراء Cointelegraph.

Translated by Albayan Gherra
ترجمة البيان غره