وسَّع مفهومُ اللامركزية، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتأثيرات التحويلية لتكنولوجيا البلوك تشين، نطاقَ تأثيره الآن ليشمل مجالاً جديداً: شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية (DePINs).

تمثِّل شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية نهجاً رائداً لدمج تقنية البلوك تشين مع البنى التحتية المادية التأسيسية التي تدعم الحياة اليومية، مثل أنظمة الطاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية وتخزين البيانات. يهدف هذا التكامُل إلى معالجة وتحسين قيود البنى التحتية التقليدية والمركزية عبر الاستفادة من نقاط القوة الكامنة في البلوك تشين — الشفافية والأمن والحوكمة التشاركية.

ما هي شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية (DePIN)؟

شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية هي شبكاتٌ تستخدم تقنيةَ البلوك تشين لتحقيق اللامركزية في التحكُّم في البنية التحتية المادية وإدارتها وملكيتها. يتضمَّن هذا التحوُّلُ من نموذج مركزيٍّ إلى نموذج لامركزيٍّ توزيعَ عمليةِ صنع القرار والرقابة التشغيلية عبر العديد من الأطراف المعنية؛ لا تقلل هذه البنيةُ من المخاطر المرتبطة بنقاط فشل واحدة فحسب، بل تعزز أيضاً كفاءة الخدمات وإمكانية الوصول إليها.

كما يضمن تكامُل حوافز اقتصاد العملات المشفرة، مثل التوكنات أو مكافآت العملات المشفرة، المشاركةَ النشطة والكفاءة التشغيلية، وإنشاء نموذج مستدام لإدارة البنية التحتية.

لماذا شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية؟

غالباً ما تعاني أنظمةُ البنية التحتية التقليدية من أوجه القصور المرتبطة بالتكاليف التشغيلية المرتفعة، والقابلية للفشل، والابتكار المحدود، وإمكانية الوصول المحدودة. تقترح شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية حلاً يَعِدُ بتعزيز الأمن والمرونة ضدَّ الاضطرابات، وتحسين الشفافية في العمليات وإضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول. فمن خلال القضاء على السيطرة المركزية، من المحتمل أن تخفض شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية التكاليفَ والحواجز، ما يتيح مشاركة وابتكاراً أوسع.

كيف تعمل شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية؟

في جوهرها، تقوم شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية بتوزيع مراقبة وإدارة البنية التحتية المادية عبر شبكة لامركزية، بدلاً من مركزية السلطة داخل منظمة أو موقع واحد.

  1. البلوك تشين كأساس: في شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية، يجري تسجيل كل معاملة ترتبط بالبنية التحتية، سواء كانت استهلاك الطاقة أو الوصول إلى تخزين البيانات أو استخدام خدمة الاتصالات، على البلوك تشين. يضمن دفتر الأستاذ اللامركزي هذا الشفافيةَ والثبات، ما يجعل السجلات قابلة للتحقُّق ودائمة. كما تبني هذه الشفافية الثقةَ بين جميع المشاركين في الشبكة، حيث يمكن تتبُّع كلِّ إجراءٍ ولا يمكن تغييرُه بأثر رجعي.
  2. العقود الذكية للأتمتة: تعمل العقود الذكية على أتمتة العمليات التشغيلية لشبكات البنية التحتية المادية اللامركزية. العقود الذكية هي عقود ذاتيةُ التنفيذ، حيث تكون بنود الاتفاق مكتوبة مباشرة في التعليمات البرمجية. على سبيل المثال، في شبكة الطاقة اللامركزية، يمكن للعقد الذكي أن ينفذ تلقائياً معاملة يجري فيها بيع الطاقة الزائدة من منزل مزوَّد بألواح شمسية ونقلها إلى أحدِ الجيران، ويجري تشغيلها عند استيفاء شروط معيَّنة — مثل الإنتاج الزائد —. تعمل هذه الأتمتة على تعزيز الكفاءة وتقليل الحاجة إلى التدخل اليدوي.
  3. الترميز والحوافز: الترميز هو جانب حاسم من شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية، ويوفر وسيلة لتحفيز مختلف الأطراف المعنية اقتصادياً. يحصل المشاركون في الشبكة، مثل أولئك الذين يوفرون مساحة تخزين في سحابة لامركزية أو مالكي المنازل الذين يسهمون بفائض الطاقة في الشبكة المصغَّرة، على الرموز الرقمية كمكافآت. غالباً ما يمكن استخدامُ هذه الرموز داخل النظام الإيكولوجي للخدمات أو تبادلها في السوق، ما يوفر قيمة نقدية حقيقية للمشاركة.
  4. استخدام الأوراكلز: يجري استخدام الأوراكلز (Oracles) في شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية لجلب بيانات العالم الحقيقي إلى البلوك تشين. نظراً لأنَّ شبكات البلوكتشين لا يمكنها الوصول إلى البيانات خارج شبكتها، فإنَّ الأوراكلز ضرورية لتغذية النظام بمعلومات من العالم الحقيقي، مثل أسعار الكهرباء أو الظروف الجوية أو حالة الجهاز. هذه البيانات ضرورية لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن البلوك تشين، مثل تعديل توزيع الطاقة بناءً على أنماط الاستهلاك أو توقعات الطقس.
  5. الحوكمة اللامركزية: تدمج العديد من شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية نماذج الحوكمة اللامركزية، غالباً عبر المنظمات المستقلة اللامركزية (DAOs). تسمح هذه للمشاركين في الشبكة بالتصويت على القضايا الرئيسة، مثل تغييرات البروتوكول أو استخدام الأموال المجتمعية، ما يضمن أن يكون لجميع الأطراف المعنية رأيٌ في تطوير الشبكة وتشغيلها. لا يعزِّزُ هذا النهج الديمقراطي زيادةَ مشاركة المستخدمين ورضاهم فحسب، بل يعزز أيضاً القدرة على التكيف والمرونة.

التطبيقات العملية لشبكات البنية التحتية المادية اللامركزية عبر الصناعات

تجد شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية تطبيقات في مختلف القطاعات:

  • الطاقة: عبر الشبكات اللامركزية والشبكات الصغيرة، تمكِّن شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية من تداول الطاقة من نظير إلى نظير وتحسين استخدام مصادر الطاقة المتجددة.
  • الاتصالات السلكية واللاسلكية: تعدُّ مشاريع، مثل ’هيليوم‘ (Helium)، شبكات لاسلكية لامركزية رائدة تقلل التكاليف وتوسع نطاق الوصول إلى الشبكة.
  • التخزين: تقدِّمُ منصاتٌ مثل ’فايل كوين‘ (Filecoin) و’ستورج‘ (Storj) حلول تخزين البيانات اللامركزية التي تعزز الأمان والمرونة مع تقليل التكاليف.
  • إنترنت الأشياء (IoT): تعمل شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية على تحسين تنسيق الجهاز وإدارة بيانات المستشعر بكفاءة، ما يدعم المدفوعات الصغيرة داخل شبكات إنترنت الأشياء.

المشاريع الرائدة في مساحة شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية

توضح المشاريع البارزة، مثل (Helium) و(Filecoin) و’نودل‘ (Nodle) إمكانات شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية. إذ يعمل مشروع ’هيليوم‘ على تحقيق اللامركزية في الاتصال اللاسلكي، ما يتيح اتصالات إنترنت الأشياء الأوسع نطاقاً، في حين يركز ’فايل كوين‘ على التخزين الآمن واللامركزي للبيانات.

في الوقت نفسه، تستفيد ’نودل‘ من اتصال الهاتف الذكي لتأمين وإدارة شبكات أجهزة إنترنت الأشياء.

التحديات والاعتبارات

في حين أنَّ شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية تَعِدُ بتأثيراتٍ تحويلية، إلَّا أنَّها تواجه عقباتٍ كبيرة، بما في ذلك التحديات التنظيمية وقضايا قابلية التوسُّع والحاجة إلى تدابير أمنية معزَّزة. البيئات التنظيمية، لا سيما في قطاعات مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية، معقَّدةٌ وتتطلَّب التنقلَ الدقيق لدمج التقنيات الجديدة مثل شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية بشكل فعال. علاوة على ذلك، فإنَّ الاعتبارات المعمارية مثل قابلية توسيع نطاق المعاملات، والرسوم المنخفضة، وقابلية التشغيل البيني مع الأنظمة الحالية أمر بالغ الأهمية للنمو المستدام لشبكات البنية التحتية المادية اللامركزية.

التوقعات المستقبلية لشبكات البنية التحتية المادية اللامركزية

تستعد شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية لإعادة تعريف التفاعل بين العالَمَين الرقمي والمادي، ما يَعِدُ بمستقبلٍ تكون فيه البنية التحتية أكثرَ مرونةً وكفاءة وتركيزاً على المستخدِم. مع تطوُّر هذه الشبكات، يُمكن أن تؤدِّي دوراً حاسماً في البنية التحتية الأوسع للويب 3، ما يسهِّل أشكالاً جديدة من مُلكية الأصول وتطوير البنية التحتية.

كما أنَّ إضفاءَ الطابع الديمقراطي على البنية التحتية، حيث تُتاح لكلِّ فردٍ الفرصةُ للمشاركة والاستفادة، يمكن أن يؤدِّي إلى حالاتِ استخدامٍ مبتكَرة تُعيد تشكيلَ المَشاهد المادية والرقمية.

Translated by Albayan Gherra
ترجمة البيان غره