في السنوات الأخيرة، زاد عدد روَّاد الأعمال الطموحين المتبنِّين لمفهوم ريادة الأعمال الاجتماعية، مدفوعين بالرَّغبة في تحدِّي المعايير السائدة وتكوينِ عالَمٍ أكثر إنصافاً واستدامةً. تزامناً مع هذا الاتجاه، ظهرت ثورة الويب 3.0 الذي يتيح منصَّة ملائِمةً لهؤلاء الأفراد لكي يحقِّقوا رؤاهُم عبرَها. في الوقت الحالي، ومع تزايد التقنيات الجديدة، برزت الإمكانات الهائلة للبلوكتشين بوصفها أداةً قويَّةً يمكن أن تؤثِّر إيجاباً على رواد الأعمال لكي يثيروا اضطرابَ الأعمال التقليدية ويُحدثوا تغييراً ذا مغزى.
إنهاء رأسمالية المراقبة
تسعى الشركات حالياً إلى تبنِّي نموذج أعمال أَطلقت عليه شوشانا زوبوف، أستاذة جامعة هارفارد، اسمَ "رأسمالية المراقبة" (Surveillance Capitalism)، إذ يشمل المصطلحُ عمليةَ جمعِ بيانات المستخدم وتسليع الشركاتِ لها. كما يعدُّ نهجاً أتاحَ لشركاتٍ مثل "فيسبوك" و"غوغل" النموَّ إلى شركات عملاقة، بالرغم من تعرُّضهما لانتقادات كبيرة على مرِّ السنين.
يتلخَّص هذا المفهوم أساساً في استخدام الهوية الرقمية للمستخدم والوصول إلى البيانات الشخصية المصاحبة لها. أمَّا اليوم، فتنتشر بصمتنا الرقمية عبر العديد من الخدمات وقواعد البيانات المنعزلة، والتي تعمل بمنزلة مصيدة للقراصنة، بالتزامن مع تمكين الإعلانات المتطفِّلة شديدة التخصيص، وغيرها من التكتيكات المشكوك فيها. عبرَ إنشاء هوية ذاتية السيادة عبر البلوكتشين، تقدم التكنولوجيا نهجاً بديلاً للوضع الراهن، ما يمكّن المستخدمين من امتلاك هوياتهم عبر الإنترنت وبياناتهم الشخصية، إلى جانب إمكانية حمايتها عبر التشفير القوي. أدركت بعض الشركات الرائدة، بما فيها "بوش" (Bosch)، مشروع (moveID) مموَّل من الاتحاد الأوروبي ويستخدم بطاقات الهوية اللامركزية أساساً للتنقُّل المتصِّل، أهميةَ هذه الاستراتيجية، وعزَّزت استخدامَها الأخلاقي. ربما يستخدم رواد الأعمال الاجتماعيون هذا النموذج لبناء أُطرِ هوِّيةٍ لامركزية تمكِّن الناس، وتطوِّر نموذجاً جديداً تكون فيه الخصوصية والاستقلالية والملكية من الأمور بالغة الأهمية.
الانتقال من الشركات إلى المجتمعات
ثمَّةَ تحوُّلٌ نموذجيٌّ آخر في ممارسات الأعمال اليوم يتمثَّل في أنَّ معظمَ مبادرات البلوكتشين تمكِّن المستخدمين من السيطرة على العملية بدلاً من النظر إليهم بوصفهم متلقِّينَ غائبينَ للخدمات حسبَ تقدير مقدِّم الخدمة. يشجِّع ذلكَ على مزيدٍ من التنوُّع، ويزيل التفاوتات في القوة الكامنة في نماذج الشركات التقليدية، فعلى سبيل المثال، في تطبيق مشاركة الرحلات على الويب 2.0، يخضع السائقون والمستخدمون لأهواءِ الخوارزمية، ما يمكن أن يقلِّل الأسعار أو يرفعها بشكل كبير. أمَّا على الويب 3.0، فسيعمل التطبيق اللامركزي لتوصيل الركاب (dApp) مقابل رسوم أقلّ بكثير، وسيكون المجتمع قادراً على التصويت على سياساته ومراجعة العقود الذكية التي تدعم منطقَ أعماله.
إنَّ شبكات البنية التحتية المادية اللامركزية (DePINs) التي تستخدم البلوكتشين والتوكنات لحشد المصادر للبنية التحتية المادية، مثل خوادم VPN أو محطات شحن المركبات الكهربائية، تأخذ هذا المفهوم إلى أبعد من ذلك في العالم الحقيقي. إذ إنَّها تمكِّن المجتمعات من امتلاك البنية التحتية التي تخدمها ودخول الأسواق التي يعدُّها المزوِّد التقليدي غير مجدية. يمهدُ ذلك الطريقَ لانتقالٍ أكبر من الشركات إلى المجتمعات، حيث يُضفى الطابعُ الرسميُّ على العلاقات الاقتصادية بوصفها رمزاً قابلاً للتنفيذ ومتاحاً لأيٍّ شخص لفحصه وتشغيله بطريقة "لا تستدعي الثقة في طرفٍ ثالثٍ"، ودون الحاجة إلى مزود خدمة مركزي لوضع القواعد. تمنح البلوكتشين العملاءَ ملكيةَ جميع شبكات البنية التحتية، بالإضافة إلى خدماتٍ مثلَ توصيل الطعام ومشاركة السكوتر الإلكتروني، بصرف النظر عمَّا إذا كانت الأصول رقمية أو مادية.
الشفافية للجميع
أخيراً وليس آخراً، تقود البلوكتشين، بوصفها تقنيةً، دفعةً نحو مستوىً جديدٍ تماماً من الملاحظة والشفافية، فمع كلِّ كتلة مرتبطة بالكتلة السابقة، وكلِّ معاملة مجهولة الهوية مسجَّلة على دفتر أستاذ مفتوح، يمكن تتبُّع مصدر كل عملة حتى لحظة إنشائها، ما يسمى سك العملة. من الشفافية الكاملة للخوارزميات الأساسية ومنطق الأعمال الذي يمنع الممارسات غير العادلة وإساءة الاستخدام، إلى الوضوح المطلق للتدفقات النقدية، تتيح البلوكتشين مزيداً من الامتثال والنظافة المالية.
تعدُّ إدارة سلسلة التوريد التي يمكن التحقُّق منها حالةَ الاستخدام الأكثر وضوحاً، والتي يتكرَّر ذكرُها في هذا الصدد، حيث تؤكَّد كلُّ خطوة على طول الطريق بشكل مشفَّر على دفتر الأستاذ الثابت. ولكن ثمَّة تطبيقات أخرى أيضاً، إذ إنَّ بيانات تتبُّع البصمة الكربونية الثابتة المقترنة بالتعويضات التلقائية على السلسلة، والاستخدام القابل للتحقُّق للأموال الخيرية، وغيرها من الميزات المماثلة، تزيد بشكل كبير من شفافية الأعمال الواعية اجتماعياً، وتجعل تأثيرَها مرئياً وقابلاً للقياس والتحقُّق.
في عصرٍ يتميَّز بصعود ريادة الأعمال المؤثرين، توفِّر ثورة الويب 3.0 وتكنولوجيا البلوكتشين فرصاً غير مسبوقة لأولئك الذين يسعون إلى إحداث تغيير إيجابي. تمتدُّ الفوائد المحتملة التي تعود بها البلوكتشين على أصحاب المشروعات المؤثِّرة إلى ما يتجاوز حدودَ المنافذِ المحدَّدة، ما يتيح تحوُّلاً أوسعَ لنموذج الأعمال بأكمله. بينما يشرعُ روادُ الأعمال المؤثرون في رحلتهم لإعادة تشكيل العالم، يجب عليهم إدراك إمكانات تكنولوجيا البلوكتشين بوصفها أداةً قوية لتعزيز التغيير الأكثر عدلاً واستدامة.
فينيت بودكي (Vineet Budki) الرئيسُ التنفيذيُّ والشريكُ الإداريُّ في "سايفر كابيتال" (Cypher Capital)، ويُعرف بقيادة ما يزيد عن 100 استثمار في مجال الكريبتو والبلوكتشين، مستثمراً في الشركات الناشئة في البلوكتشين، بما فيها "كاسبر لابز" (Casper Labs)، "ميستن لابز" (Mysten Labs)، "توروس" (Torus)، "كيلت" (KILT)، وغيرها من الشركات. كما تحدَّث عن استثمارات رأس المال الاستثماري في فعالياتٍ مثل (Token 2049) و"المنتدى الاقتصادي العالمي" (World Economic Forum) و(DCentral) و(NEARcon) و(Nearverse) و(AIBC) و(Future Blockchain Summit) و(Global Blockchain Congress) و(Blockchain Life). بودكي حاصلٌ على درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية التقنية من المعهد الوطني للتكنولوجيا في كاليكوت، ودرجة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية كورنيل جونسون للدراسات العليا للإدارة ومن كلية إدارة الأعمال (Instituto de Empresa) في إسبانيا.
"سايفر كابيتال" (Cypher Capital) شركةُ رأسِ مال استثماري مقرُّها الإمارات العربية المتحدة وتركز على مشروعات الكريبتو والبلوكتشين والأصول الرقمية في جميع أنحاء العالم. peaq شبكة ويب 3.0 تمكِّن روَّاد الأعمال والمطوِّرين من بناء تطبيقات لامركزية للمركبات والروبوتات والأجهزة.
كُتبت هذه المقالة لأغراض تقديم المعلومات العامة، وليس المقصود أن تُؤخذ على أنَّها مشورة قانونية أو استثمارية، ولا ينبغي أن تكون كذلك. تعودُ الآراءُ والأفكارُ المُعبَّر عنها هنا للمؤلف وحده، ولا تعكس أو تمثِّل بالضرورة وجهات نظر وآراء Cointelegraph.
Translated by Albayan Gherra
ترجمة البيان غره